أما آن لهذا المنشور أن يُنسخ؟َ!(1
السّيد أبوبكر لخزوري وزير الشئون الدينية بالجمهورية التونسية حفظه الله تعالى .
سعادة الوزير تحية طيّبة، و بعد،
يُسعِدُني كمواطن تونسيّ يعيش هموم بلده لحظة بلحظة أن ألجأ أليكم لأعبر لكم عن أمر،أحسبه مُهِمّا، يشغلني و يشغل قطاعا واسعا من التونسيين و التونسيات. ولكن باديء ذي بدء تأكدُّوا سعادة الوزير أنّي ما أردت إلاّ الخير، والدّفاع عن سمعة بلدي، والمساهمة في رفع الحرج بطريقتي الخاصة عن جزء مهمّ من أهل بلدي ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وأعتقد أنّكم توافقونني تماما في أنّ العلاقة المُثلى و الصحيحة التّي ينبغي أن تربط المواطن،مهما كان انتماءه الفكري والسيّاسي، بمسئوليه وحكامه و قيادته،هي علاقة نُصح وحوار و إخلاص و ثقة متبادلة في إطار دولة القانون و المؤسسات. ولا يخفى على أحد أنّ النُّصح الخالص والمثمر والبنّاء ليس أمرا سهلا و خاصة في هذا الزّمان الذّي قَلَّ فيه المخلصون وكَثُرَ فيه الانتهازيون وهبّوا من كُلِّ صوب و حدب لا يشغلهم إلا قضاء مآربهم الصغيرة ولو كان ذلك على حساب حاجيات الوطن الكبرى. أقدّر جيّدا أن النصح للوطن العزيز وشعبه قد لا يخلو من تأويلات سيئة للمواقف و التصريحات مهما كانت نبيلة وبريئة ولكن كلّ شيء ما دون مصلحة البلاد يهون. عزاؤنا جميعا مهما اختلفت أراءونا ومذاهبنا ، وكذلك مواقعنا ، أنّ تونس هي القاسم المشترك بيننا الذّي لا ينبغي لأحد منّا أن يفرط فيه، وهي أولى منّا جميعا بالنُّصح و المحبّة و الإخلاص و الولاء. و في هذا الإطار لا غير، وبهذه الخلفية ، أبذل الوُسْعَ لصالح تونس و شعبها ،لا أخضع في ذلك إلاّ لما أراه صالحا لبلدي العزيز والله على ما أقول شهيد.إنّ إيماني بالله ، وحبّي لبلادي ما تركا لي من خيار إلاّ خيار المصارحة و المناصحة، كلفني ذلك ما كلّفني. فوطنيتي تفرض عليّ القيام بواجب النُّصح إزاء بلدي، ومن دون أن أقوم بذلك فلن يرتاح لي ضمير و لن يهدأ لي : (إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب)هودآية88. لقد ارتضيت لنفسي مذهبا منذ مدة غير قصيرة، أنّ لا أسيء لتونس وسمعتها ،لا من قريب و لا من بعيد، و أن لا أنخرط في ردود أفعال تكون مسيئة لبلادي حتّى وإن اعتقدت صوابا أو توهمت خطأ أن بلادي أو فريقا من اهلي قد جار عليّ وظلمني. كما أنّي قررت أن لا أسكت عن إبداء رأي في أي شأن من الشئون العامة إذا ما رأيت في ذلك مصلحة ،ولكن بالطرق السلمية و الحضارية، بعيدا عن كُلِّ أشكال الفوضى والإستقواء بالأجنبي،شعاري في ذلك قول المصطفى عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم: (من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت). بهذا التفاؤل والثقة في المستقبل ،وبهذه الرّوح المليئة بحب الخير للتونسيين جميعا ، متدينين وغير متدينين، شعبا وقيادة، مواطنين ومسئولين، أ ُصارحكم سعادة الوزير أنّ حال المحجبّات في بلادي و ما يعشنّه يشغلني و يشغل جزءا كبيرا من التونسيين.
إنّ ما يُعرف بمنشور108القاضي بمنع الحجاب، بحجة أنّه لباس طائفي ،في المؤسسات العمومية قد تسبب تطبيقه في الكثير من المتاعب لتونسيات كثيرات ،هنّ أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا و زوجاتنا ، من طالبات وتلميذات وموظّفات وعاملات..، كما أنّه تسبب في الكثير من سوء الفهم و اللّبس بين أبناء البلد الواحد. كما أنّه جلب لواضعيه انتقادات لا حصر لها، لا من جانب علماء الفقه و الشريعة في العالم الإسلامي و حسب،بل حتى من غير المسلمين المدافعين عن حقوق الإنسان. كما أنّه كان سببا لتشويه صورة بلادنا الدّينية لدى بقية الشعوب العربيّة و الإسلاميّة ولدى أوساط الجاليات الإسلامية العربية و غير العربية المقيمة في بلاد الغرب وخاصة منه فرنسا، وأنا أ ُدرك جيّدا ما أقول. وفي المقابل ، هل أَكسب هذا المنشور بلادنا صفة الحداثة التي كان يتصورها الحريصون و المستميتون على تطبيقه؟ لا شيء من ذلك تحقق. وإنّي كمواطن يعيش في المهجر، و كمسئول جمعياتي ، وكأستاذ في مادة الفقه و السّياسة الشرعية و مُتخرج من الكلية الزّيتونية للشريعة وأصول الدّين بتونس، وكإنسان يعيش هموم شعبه وأمته، مؤهل لأن أنقل إليكم حجم الحرج الذّي يشعر به جزء كبير من أبناء تونس وبناتها نتيجة لهذا المنشور. ومقارنة للنتائج السلبيةّ الكثيرة التي تسبب فيها هذا المنشور بالايجابيات القليلة التي يحاول الحريصون على تطبيقه تضخيمها، لقلنّا أنّ الأمر لا يستحق كُلّ هذا الحرص على تطبيق مثل هذا المنشور،لو تحلينّا بشيء من المرونة والواقعية،بل بالبراقماتية والعقلانيّة.والغريب في الأمر هي هذه الصرامة والرّاديكالية في تطبيق مثل هذا المنشور و من بعض الأطراف بالذّات دون سواهم، مع العلم أنّ تجاوز كلَّ الإشكاليات والصعوبات التي ترتبت عن تطبيقه سواء لبعض المواطنين أو للإدارة التونسية نفسها سهل تجاوزها لو توفرت الإرادة السياسية من دون أن نمّس بالحريات الشخصية للمواطنين من ناحية ، ومن دون أن نَمّس بهيبة الدّولة التي نحن أيضا حريصون على إحترامها من ناحية ثانية.
ولقائل أن يقول، سواء كان ناصحا أو مثبطا أو حاسدا، أنّ نداءك هذا، هو عبارة عن صيحة في واد سحيق لا فائدة مرجوة من وراءه إلاّ ضياع الجهد ومزيدا من كسب عداوات الاستئصالين الذين يزعجهم هذا المنهج المعتدل في المعارضة وتبليغ الصوت الآخر إلى الإدارة والجهات المسئولة. وعندئذ أقول لسائلي، سواء أكان ناصحا أو حاقدا أو مثبطا : لو كنت لا أملك إلا الصياح لأقوم ببعض الواجب نحو بلدي لصحت مساء صباحا، فيُكتبَ لي بذلك أجر التذكير بما أراه نافعا ومفيدا،خير لي من السكوت والاستقالة من أمر أرى فيه مصلحة بلادي. أمّا النتائج التي تتحدّثون عنها فيتولاّها ويرعاها الله، مسبب الأسباب ومالكها، جاعلا نصب عينيّ قوله (ص)( الدّال على الخير كفاعله).
إنّ ما يُعابُ على ما يُعرف بالحجاب هو بُعده الطّائفي ورمزيته السياسية. ونحن في تونس بلد عقبة بن نافع،وأسد بن الفرات وجوهر الصقلي،وابن خلدون،وابن أبي زيد القيرواني،وابن عرفة،وابن عاشور،والقائمة تطول، لا يمكن لأحد أن يُزايد علينا في عُروبتنا وإسلامنا ، أو يلقنّنا دروسا في الدّين و الهويّة، فثقافتنا العربيّة و الإسلاميّة عريقة، ومساهماتنا في خدمة الدّين و العلم الشّرعي لا يتجاهلها إلا ّجاهل. وتونس في دستورها، جمهورية،لغتها العربيّة ودينها الإسلام. و بناء عليه فإنّ ثقتنا في المشرع التونسي وفي عقلانيته الإسلامية الأصيلة كبيرة لإعادة النّظر في مثل هذا المنشور وغيره متى لزم الأمر بما يخدم مصلحة البلاد و العباد وبما يضمن أيضا تلك المقاصد التي من أجلها وُجدَ المنشور إبتداء،ولكن بصيغة تكون أكثر مرونة وواقعية على ضوء ما يفرضه الشرع الحكيم و العقل النيّر والواقع الموضوعي، الإجتماعي و الدّيني لبلادنا. فما المانع يا تُرى من تعديل هذا المنشور أو نسخه جملة واحدة إذا ما اقتضت المصلحة ذلك؟ إنّ المشرع التونسي ما تردد لحظة واحدة في تعديل مثل هذا المنشور إذا ما توفرت الإرادة السياسية وتبيّنت له المصلحة العامة،خاصة عندما نعرف أنّ هذا المنشور لا يرق إلى مرتبة القانون أو التشريع كما يدل عليه اسمه. وفي هذا الإطار، و خدمة لبلادي من ناحية،وممارسة لإختصاصي بحكم اهتمامي بهذا الموضوع من ناحية ثانية، قد أفيد في بعث مبادرة وطنية تستحضر الأبعاد التي من أجلها وجد هذا المنشور ابتداء وتعمل في نفس الوقت على تجاوز سلبياته ، وقد يُتّوجُ ذلك باقتراح صيغة تُجنِّبنا ما ترتب عن هذا المنشور من إشكاليات و تعقيدات نحن في غنى عنها،دون أن نلغي هذا المنشور مرّة واحدة، فنحقق إن شاء الله تعالى في هذا المجال الحسّاس وحدتنا القومية ووئامنا الوطني وتناغمنا الإجتماعي، وبذلك وحده نكون أوفياء لديننا وأعرافنا الحميدة وخصوصياتنا التونسية. كما لا يفوتني أن أشير إلى أنّ اللّباس التونسي الأصيل كـ(السفساري) و(الفوطة) هو لباس إسلامي تتوفر فيه ابتداء كلّ الشروط والضوابط الشرعية، غير أنّه لباس لا يساعد على العمل وسرعة الحركة والفاعلية،أي أنّه لباس غير عملي. ومن أجل أن نوفر لبناتنا لباسا تونسيا عريقا مراعيا لأعرافنا وخصوصياتنا وأذواقنا الجمالية في اللباس، ألوانا وأشكالا وتصاميم، ومناسبا للعمل وسرعة الحركة، نَهِيبُ بكم أنتم، يا أهل الحلّ والعقد، ونناشدكم أن تُصدروا أوامركم للمصممين والفنيين التونسيين وتُشجعوهم على أن يصمموا لنا تصاميم لباسية تونسية تكون في نفس الوقت أصيلة ،بما تتوفر عليه من ضوابط وشروط شرعية تحفظ لنا كرامتنا الإنسانية وحياءنا من الله، ومعاصرة بما تشتمل عليه من جمال وأناقة. فاللّباس الإسلامي والعربي متميّز في أشكاله وتصاميمه اللّباسية المتعددة وألوانه المفضلة. ولكن هذا التميز لا يعني أنّه لباس جامد،ثابت ، وواحد في كلّ زمان ومكان،شكلا، وتصميما ولونا وذوقا،لا يتطور ولا يأخذ بعين الاعتبار اختلاف الأذواق والأعراف والبيئات والمجتمعات في تصاميمه وألوانه وأشكاله الجمالية. فاللُباس الإسلامي على الشاكلة الخليجية العربية أو الإيرانية ليس هو بالضرورة اللّباس الإسلامي على الشاكلة المغاربية بصفة عامة والتونسية بصفة خاصة.
وأحسب أنّه لو عمل المصممون التونسيون على تصميم مثل هذا النّوع من اللّباس لحققنّا منافع كثيرة لبلادنا، ولخرجنا من هذا الضّيق منتصرين، فنكون بذلك قد وفرنّا مواطن شغل جديدة ، وتَوْنَسْنَا لباسنا الإسلامي ليكون في نفس الوقت أصيلا و معاصرا نرفع به الحرج عن نساءنا ، فيُرضين ربّهُنّ، ويمارسنّ حُريتَهُنَ الشخصية، دون أن يُتهمنّ بالطّائفية أو بالتسيّس. أحسب أن الكثير من الإشكاليات لا تـعالج ،هكذا بقوانين فوقية لا تُراع أشواق النّاس الروحية و الأدبية والنّفسية. وأعتقد أنّ ما ذهبنا إليه من مقترحات عملية قد تكون هي المدخل الصحيح و المنهجي والبديل العقلاني و الذّكي لمحاربة الانغلاق الطائفي،والتوظيف الدّيني والسياسي الضّيق.
يعلم الله أنّي ما كتبت هذا النداء إلا حُبّا لبلادي وغِيرة على أهلها و رغبة في كسر هذا الحاجز النفسي الذّي يمنع التونسيين من التواصل مع بعضهم ،حتى ولئن اختلفت أراءوهم ، فتونس تسعنا جميعا، ومستقبلها يشغلنا جميعا، وعزّتها غايتنا جميعا.
كما أنّي، يعلم الله، كم من مرة تساءلت فيما بيني وبين نفسي ، لماذا لا أحاول ولو لمرة واحدة أن أتجه إلى مسئول تونسي مباشرة، لأصارحه وأطرح عليه ما يشغل جزءا كبيرا من التونسيين،ولكنّي أحجم عن ذلك خوفا من سوء الفهم والتأويلات الخاطئة، مع أنّي أومن من النّاحية المبدئية أنّ هذا هو الطريق الطبيعي الذي ينبغي أن يحكم علاقة المواطن بمسئوليه. وأمام إصرار الذّين يريدون أن يستغلوا هذا الملف ،سواء من هذا الفريق أو من ذاك ،قررت وعقدت العزم على محاولة الإتصال المباشر بكم كمسئول تنفيذي أول عن هذا الملف بأي شكل من الأشكال،لأضع بين يديكم ملاحظاتي المتواضعة هذه، متوقعا منكم حسن القبول والتفهم، فأكون بذلك سعيدا. أمنيتي سعادة الوزير هو أن تفتح الأبواب أمام كل المواطنين لإبداء أراءهم ولو كانوا معارضين حتى لا يلتجأ المواطن إلى أساليب أخرى في الضغط والإحراج قد لا تكون دائما في صالح تونس. أسأل الله العلّي القدير، سيّدي الوزير أن يجد ندائي هذا القبول الحسن لديكم، فما أردت إلاّ الإصلاح و ما توفيقي إلاّ باللّه‘ علية توكلت وهو ربُّ العرش العظيم .
تقبّلوا سيّدي الوزير فائق احتراماتي و تقديري، ودمتم في حفظ الله تعالى ورعايته.
الإربعاء2جويلية2008
مصطفى عبدالله ونيسي/باريس/فرنسا.
ــــــــ
السّيد أبوبكر لخزوري وزير الشئون الدينية بالجمهورية التونسية حفظه الله تعالى .
سعادة الوزير تحية طيّبة، و بعد،
يُسعِدُني كمواطن تونسيّ يعيش هموم بلده لحظة بلحظة أن ألجأ أليكم لأعبر لكم عن أمر،أحسبه مُهِمّا، يشغلني و يشغل قطاعا واسعا من التونسيين و التونسيات. ولكن باديء ذي بدء تأكدُّوا سعادة الوزير أنّي ما أردت إلاّ الخير، والدّفاع عن سمعة بلدي، والمساهمة في رفع الحرج بطريقتي الخاصة عن جزء مهمّ من أهل بلدي ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وأعتقد أنّكم توافقونني تماما في أنّ العلاقة المُثلى و الصحيحة التّي ينبغي أن تربط المواطن،مهما كان انتماءه الفكري والسيّاسي، بمسئوليه وحكامه و قيادته،هي علاقة نُصح وحوار و إخلاص و ثقة متبادلة في إطار دولة القانون و المؤسسات. ولا يخفى على أحد أنّ النُّصح الخالص والمثمر والبنّاء ليس أمرا سهلا و خاصة في هذا الزّمان الذّي قَلَّ فيه المخلصون وكَثُرَ فيه الانتهازيون وهبّوا من كُلِّ صوب و حدب لا يشغلهم إلا قضاء مآربهم الصغيرة ولو كان ذلك على حساب حاجيات الوطن الكبرى. أقدّر جيّدا أن النصح للوطن العزيز وشعبه قد لا يخلو من تأويلات سيئة للمواقف و التصريحات مهما كانت نبيلة وبريئة ولكن كلّ شيء ما دون مصلحة البلاد يهون. عزاؤنا جميعا مهما اختلفت أراءونا ومذاهبنا ، وكذلك مواقعنا ، أنّ تونس هي القاسم المشترك بيننا الذّي لا ينبغي لأحد منّا أن يفرط فيه، وهي أولى منّا جميعا بالنُّصح و المحبّة و الإخلاص و الولاء. و في هذا الإطار لا غير، وبهذه الخلفية ، أبذل الوُسْعَ لصالح تونس و شعبها ،لا أخضع في ذلك إلاّ لما أراه صالحا لبلدي العزيز والله على ما أقول شهيد.إنّ إيماني بالله ، وحبّي لبلادي ما تركا لي من خيار إلاّ خيار المصارحة و المناصحة، كلفني ذلك ما كلّفني. فوطنيتي تفرض عليّ القيام بواجب النُّصح إزاء بلدي، ومن دون أن أقوم بذلك فلن يرتاح لي ضمير و لن يهدأ لي : (إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب)هودآية88. لقد ارتضيت لنفسي مذهبا منذ مدة غير قصيرة، أنّ لا أسيء لتونس وسمعتها ،لا من قريب و لا من بعيد، و أن لا أنخرط في ردود أفعال تكون مسيئة لبلادي حتّى وإن اعتقدت صوابا أو توهمت خطأ أن بلادي أو فريقا من اهلي قد جار عليّ وظلمني. كما أنّي قررت أن لا أسكت عن إبداء رأي في أي شأن من الشئون العامة إذا ما رأيت في ذلك مصلحة ،ولكن بالطرق السلمية و الحضارية، بعيدا عن كُلِّ أشكال الفوضى والإستقواء بالأجنبي،شعاري في ذلك قول المصطفى عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم: (من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت). بهذا التفاؤل والثقة في المستقبل ،وبهذه الرّوح المليئة بحب الخير للتونسيين جميعا ، متدينين وغير متدينين، شعبا وقيادة، مواطنين ومسئولين، أ ُصارحكم سعادة الوزير أنّ حال المحجبّات في بلادي و ما يعشنّه يشغلني و يشغل جزءا كبيرا من التونسيين.
إنّ ما يُعرف بمنشور108القاضي بمنع الحجاب، بحجة أنّه لباس طائفي ،في المؤسسات العمومية قد تسبب تطبيقه في الكثير من المتاعب لتونسيات كثيرات ،هنّ أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا و زوجاتنا ، من طالبات وتلميذات وموظّفات وعاملات..، كما أنّه تسبب في الكثير من سوء الفهم و اللّبس بين أبناء البلد الواحد. كما أنّه جلب لواضعيه انتقادات لا حصر لها، لا من جانب علماء الفقه و الشريعة في العالم الإسلامي و حسب،بل حتى من غير المسلمين المدافعين عن حقوق الإنسان. كما أنّه كان سببا لتشويه صورة بلادنا الدّينية لدى بقية الشعوب العربيّة و الإسلاميّة ولدى أوساط الجاليات الإسلامية العربية و غير العربية المقيمة في بلاد الغرب وخاصة منه فرنسا، وأنا أ ُدرك جيّدا ما أقول. وفي المقابل ، هل أَكسب هذا المنشور بلادنا صفة الحداثة التي كان يتصورها الحريصون و المستميتون على تطبيقه؟ لا شيء من ذلك تحقق. وإنّي كمواطن يعيش في المهجر، و كمسئول جمعياتي ، وكأستاذ في مادة الفقه و السّياسة الشرعية و مُتخرج من الكلية الزّيتونية للشريعة وأصول الدّين بتونس، وكإنسان يعيش هموم شعبه وأمته، مؤهل لأن أنقل إليكم حجم الحرج الذّي يشعر به جزء كبير من أبناء تونس وبناتها نتيجة لهذا المنشور. ومقارنة للنتائج السلبيةّ الكثيرة التي تسبب فيها هذا المنشور بالايجابيات القليلة التي يحاول الحريصون على تطبيقه تضخيمها، لقلنّا أنّ الأمر لا يستحق كُلّ هذا الحرص على تطبيق مثل هذا المنشور،لو تحلينّا بشيء من المرونة والواقعية،بل بالبراقماتية والعقلانيّة.والغريب في الأمر هي هذه الصرامة والرّاديكالية في تطبيق مثل هذا المنشور و من بعض الأطراف بالذّات دون سواهم، مع العلم أنّ تجاوز كلَّ الإشكاليات والصعوبات التي ترتبت عن تطبيقه سواء لبعض المواطنين أو للإدارة التونسية نفسها سهل تجاوزها لو توفرت الإرادة السياسية من دون أن نمّس بالحريات الشخصية للمواطنين من ناحية ، ومن دون أن نَمّس بهيبة الدّولة التي نحن أيضا حريصون على إحترامها من ناحية ثانية.
ولقائل أن يقول، سواء كان ناصحا أو مثبطا أو حاسدا، أنّ نداءك هذا، هو عبارة عن صيحة في واد سحيق لا فائدة مرجوة من وراءه إلاّ ضياع الجهد ومزيدا من كسب عداوات الاستئصالين الذين يزعجهم هذا المنهج المعتدل في المعارضة وتبليغ الصوت الآخر إلى الإدارة والجهات المسئولة. وعندئذ أقول لسائلي، سواء أكان ناصحا أو حاقدا أو مثبطا : لو كنت لا أملك إلا الصياح لأقوم ببعض الواجب نحو بلدي لصحت مساء صباحا، فيُكتبَ لي بذلك أجر التذكير بما أراه نافعا ومفيدا،خير لي من السكوت والاستقالة من أمر أرى فيه مصلحة بلادي. أمّا النتائج التي تتحدّثون عنها فيتولاّها ويرعاها الله، مسبب الأسباب ومالكها، جاعلا نصب عينيّ قوله (ص)( الدّال على الخير كفاعله).
إنّ ما يُعابُ على ما يُعرف بالحجاب هو بُعده الطّائفي ورمزيته السياسية. ونحن في تونس بلد عقبة بن نافع،وأسد بن الفرات وجوهر الصقلي،وابن خلدون،وابن أبي زيد القيرواني،وابن عرفة،وابن عاشور،والقائمة تطول، لا يمكن لأحد أن يُزايد علينا في عُروبتنا وإسلامنا ، أو يلقنّنا دروسا في الدّين و الهويّة، فثقافتنا العربيّة و الإسلاميّة عريقة، ومساهماتنا في خدمة الدّين و العلم الشّرعي لا يتجاهلها إلا ّجاهل. وتونس في دستورها، جمهورية،لغتها العربيّة ودينها الإسلام. و بناء عليه فإنّ ثقتنا في المشرع التونسي وفي عقلانيته الإسلامية الأصيلة كبيرة لإعادة النّظر في مثل هذا المنشور وغيره متى لزم الأمر بما يخدم مصلحة البلاد و العباد وبما يضمن أيضا تلك المقاصد التي من أجلها وُجدَ المنشور إبتداء،ولكن بصيغة تكون أكثر مرونة وواقعية على ضوء ما يفرضه الشرع الحكيم و العقل النيّر والواقع الموضوعي، الإجتماعي و الدّيني لبلادنا. فما المانع يا تُرى من تعديل هذا المنشور أو نسخه جملة واحدة إذا ما اقتضت المصلحة ذلك؟ إنّ المشرع التونسي ما تردد لحظة واحدة في تعديل مثل هذا المنشور إذا ما توفرت الإرادة السياسية وتبيّنت له المصلحة العامة،خاصة عندما نعرف أنّ هذا المنشور لا يرق إلى مرتبة القانون أو التشريع كما يدل عليه اسمه. وفي هذا الإطار، و خدمة لبلادي من ناحية،وممارسة لإختصاصي بحكم اهتمامي بهذا الموضوع من ناحية ثانية، قد أفيد في بعث مبادرة وطنية تستحضر الأبعاد التي من أجلها وجد هذا المنشور ابتداء وتعمل في نفس الوقت على تجاوز سلبياته ، وقد يُتّوجُ ذلك باقتراح صيغة تُجنِّبنا ما ترتب عن هذا المنشور من إشكاليات و تعقيدات نحن في غنى عنها،دون أن نلغي هذا المنشور مرّة واحدة، فنحقق إن شاء الله تعالى في هذا المجال الحسّاس وحدتنا القومية ووئامنا الوطني وتناغمنا الإجتماعي، وبذلك وحده نكون أوفياء لديننا وأعرافنا الحميدة وخصوصياتنا التونسية. كما لا يفوتني أن أشير إلى أنّ اللّباس التونسي الأصيل كـ(السفساري) و(الفوطة) هو لباس إسلامي تتوفر فيه ابتداء كلّ الشروط والضوابط الشرعية، غير أنّه لباس لا يساعد على العمل وسرعة الحركة والفاعلية،أي أنّه لباس غير عملي. ومن أجل أن نوفر لبناتنا لباسا تونسيا عريقا مراعيا لأعرافنا وخصوصياتنا وأذواقنا الجمالية في اللباس، ألوانا وأشكالا وتصاميم، ومناسبا للعمل وسرعة الحركة، نَهِيبُ بكم أنتم، يا أهل الحلّ والعقد، ونناشدكم أن تُصدروا أوامركم للمصممين والفنيين التونسيين وتُشجعوهم على أن يصمموا لنا تصاميم لباسية تونسية تكون في نفس الوقت أصيلة ،بما تتوفر عليه من ضوابط وشروط شرعية تحفظ لنا كرامتنا الإنسانية وحياءنا من الله، ومعاصرة بما تشتمل عليه من جمال وأناقة. فاللّباس الإسلامي والعربي متميّز في أشكاله وتصاميمه اللّباسية المتعددة وألوانه المفضلة. ولكن هذا التميز لا يعني أنّه لباس جامد،ثابت ، وواحد في كلّ زمان ومكان،شكلا، وتصميما ولونا وذوقا،لا يتطور ولا يأخذ بعين الاعتبار اختلاف الأذواق والأعراف والبيئات والمجتمعات في تصاميمه وألوانه وأشكاله الجمالية. فاللُباس الإسلامي على الشاكلة الخليجية العربية أو الإيرانية ليس هو بالضرورة اللّباس الإسلامي على الشاكلة المغاربية بصفة عامة والتونسية بصفة خاصة.
وأحسب أنّه لو عمل المصممون التونسيون على تصميم مثل هذا النّوع من اللّباس لحققنّا منافع كثيرة لبلادنا، ولخرجنا من هذا الضّيق منتصرين، فنكون بذلك قد وفرنّا مواطن شغل جديدة ، وتَوْنَسْنَا لباسنا الإسلامي ليكون في نفس الوقت أصيلا و معاصرا نرفع به الحرج عن نساءنا ، فيُرضين ربّهُنّ، ويمارسنّ حُريتَهُنَ الشخصية، دون أن يُتهمنّ بالطّائفية أو بالتسيّس. أحسب أن الكثير من الإشكاليات لا تـعالج ،هكذا بقوانين فوقية لا تُراع أشواق النّاس الروحية و الأدبية والنّفسية. وأعتقد أنّ ما ذهبنا إليه من مقترحات عملية قد تكون هي المدخل الصحيح و المنهجي والبديل العقلاني و الذّكي لمحاربة الانغلاق الطائفي،والتوظيف الدّيني والسياسي الضّيق.
يعلم الله أنّي ما كتبت هذا النداء إلا حُبّا لبلادي وغِيرة على أهلها و رغبة في كسر هذا الحاجز النفسي الذّي يمنع التونسيين من التواصل مع بعضهم ،حتى ولئن اختلفت أراءوهم ، فتونس تسعنا جميعا، ومستقبلها يشغلنا جميعا، وعزّتها غايتنا جميعا.
كما أنّي، يعلم الله، كم من مرة تساءلت فيما بيني وبين نفسي ، لماذا لا أحاول ولو لمرة واحدة أن أتجه إلى مسئول تونسي مباشرة، لأصارحه وأطرح عليه ما يشغل جزءا كبيرا من التونسيين،ولكنّي أحجم عن ذلك خوفا من سوء الفهم والتأويلات الخاطئة، مع أنّي أومن من النّاحية المبدئية أنّ هذا هو الطريق الطبيعي الذي ينبغي أن يحكم علاقة المواطن بمسئوليه. وأمام إصرار الذّين يريدون أن يستغلوا هذا الملف ،سواء من هذا الفريق أو من ذاك ،قررت وعقدت العزم على محاولة الإتصال المباشر بكم كمسئول تنفيذي أول عن هذا الملف بأي شكل من الأشكال،لأضع بين يديكم ملاحظاتي المتواضعة هذه، متوقعا منكم حسن القبول والتفهم، فأكون بذلك سعيدا. أمنيتي سعادة الوزير هو أن تفتح الأبواب أمام كل المواطنين لإبداء أراءهم ولو كانوا معارضين حتى لا يلتجأ المواطن إلى أساليب أخرى في الضغط والإحراج قد لا تكون دائما في صالح تونس. أسأل الله العلّي القدير، سيّدي الوزير أن يجد ندائي هذا القبول الحسن لديكم، فما أردت إلاّ الإصلاح و ما توفيقي إلاّ باللّه‘ علية توكلت وهو ربُّ العرش العظيم .
تقبّلوا سيّدي الوزير فائق احتراماتي و تقديري، ودمتم في حفظ الله تعالى ورعايته.
الإربعاء2جويلية2008
مصطفى عبدالله ونيسي/باريس/فرنسا.
ــــــــ
1) و رسالة مفتوحة لوزير الشئون الدينية عن طريق يومية الشروق ،ولكن هذه الأخيرة فيم نعلم لم تنشرها.

هذا المقال كان موجها للسيد وزير الشؤون الدينية طالبته فيه بإعادة النظر فيما يعرف بمنشور108لإلغائه. ومع ذلك فهذا المقال أثار عضب بعض المحافطين من حركة النهضة ،فاعتبروني بوقا للنظام الحاكم وألغواسنوات النضال الطويلة و الطويلة جدا التي قضيناها معا لمجرد أن خالفتهم في الرأي . وحاولت أن أفند ما ذهبوا غليه بطبيعة الحال في مقال ثان ننشره في المرة القادمة إن شاء الله
RépondreSupprimer